vendredi 4 octobre 2019

بعض اسس التواصل التصورية


بعض أسس التواصل التصورية

                                               أ.د. محمد غاليم
                                               جامعة محمد الخامس السويسي، الرباط

"Not only is our conceptualized world our own reality,
we constantly check wether it converges with everyone else's".
R. Jackendoff (2002), p. 332.

تقديم
تسعى النظرية الدلالية إلى الإجابة عن أسئلة من أبرزها، إلى جانب السؤال الأنطولوجي حول ماهية المعنى (أو التصورات)، والسؤال الدلالي حول علاقة العبارة اللغوية بمعناها،  وسؤال التعلم حول اكتساب التصورات، سؤال التواصل المتعلق بكيفية استخدام التصورات في التواصل بين البشر. ويتناول البحث هذا السؤال وبعض عناصر الإجابة عنه من خلال محورين رئيسين:
-   تحديد طبيعة التصورات باعتبارها كيانات تمثيلية نفسية؛ وتحديد دورها في العمليات المعرفية، اللغوية وغير اللغوية، داخل بنية الذهن/الدماغ المعرفية العامة؛
-   تناول الإجابة عن سؤال التواصل في إطار الإمكانات التي تتيحها النظرية الدلالية النفسية، بخلاف نظرية دلالة شروط الصدق؛ وتأسيس مفهوم التواصل على حاجة المتكلمين إلى تناغم بناءاتهم التصورية سعيا إلى فهم مشترك للعالم.

1 عن وظائف التصورات
ننطلق، في إطار نظرية الدلالة التصورية، من افتراض قاعدي مفاده أن الدلالة اللغوية جزء من نظرية ذهنية (نفسية) أوسع حول الكيفية التي يفهم بها البشر العالم، وأن موضوع الدراسة صورة من صور البنية الذهنية تسمى البنية التصورية، وترمز العالم كما يتصوره البشر.[1]
ومن ثمة يكون على النظرية الدلالية أن تخصص، أولا، نسق البنية التصورية التأليفي، بأولياته ومبادئ تركيبها، الذي تمثله قواعد تكوين التصورات وسلامتها. فتعتبر البنية التصورية التي ترمز معاني الكلمات والمركبات والجمل، نسقا تأليفيا توليديا صوريا مستقلا عن البنية التركيبية وأغنى منها إلى حد بعيد. وذلك بأولياته المتمثلة في كيانات مثل الأفراد والأحداث والأمكنة والخصائص والمقادير والمحمولات والمتغيرات والأسوار؛ ومبادئه التأليفية القائمة، بخلاف علاقات العلو والترتيب الخطي التي نجدها في التركيب، على علاقات مثل الروابط المنطقية، والدالات وموضوعاتها، والأسوار ومتغيراتها، والأقوال واقتضاءاتها، والنعوت ومنعوتاتها.
هكذا تتعلق هذه المهمة الأولى داخل النظرية الدلالية بالكيفية التي ينظَّم بها مجال المعنى اللغوي وتبنى ظواهره؛ سواء في مستوى دلالة الوحدات المعجمية، أو في مستوى دلالة المركبات والجمل.
كما يكون على النظرية الدلالية أن تخصص، ثانيا، القواعد الوِجاهية (interface rules) التي تسقط بنيات النسق التأليفي الدلالي على البنيات اللغوية الخالصة الأخرى التركيبية والصواتية. ومن بين هذه القواعد الوجاهية، نجد الكلمات التي تربط بين أجزاء من البنية التصورية وأجزاء من البنية التركيبية والصواتية؛ كما نجد القواعد الوجاهية التي تتعامل مع بنيات المركبات والجمل. ويعبر عادة عن هذه المهمة بالسؤال عن الكيفية التي تعبر بها اللغة عن التصورات أو "الأفكار".
لكن دور التصورات لا ينحصر في هاتين المهمتين اللتين تتعلقان بما يسمى عادة "دلالة لغوية"، وبموقعها داخل المحيط النحوي، بل يشمل خدمة أغراض أخرى يفرضها المحيط الذهني وبيئته المعرفية العامة، ويوجب على النظرية الدلالية تخصيص الوجاهات المتصلة بها.
من ذلك الوجاه المتصل باستعمال التصورات التي تنقلها اللغة لإنتاج تصورات أخرى؛ وهو ما يسمى بالاستنتاج أو التفكير، بما في ذلك رسم الخطط وتكوين المقاصد الهادفة إلى أفعال. والوجاه المتصل بإدماج التصورات في المعارف والمعتقدات التي سبق تحصيلها، وضمنها المعارف المتعلقة بسياقات التواصل ومقاصد المخاطَبين التي تدرس عادة في أبواب الذريعيات. والوجاهات التي تصل التصورات التي تنقلها اللغة بالأنساق الإدراكية، لنتمكن من الحديث عما نراه ونسمعه ونذوقه ونشمه ونلمسه. والوجاه الذي يصل التصورات بنسق العمل ويمكننا من إنجاز الأعمال الفيزيائية التي نخضع لها العالم ونمارسها فيه، كما يحصل عندما ننفذ عملا جوابا عن أمر أو طلب محمولين لغويا.
وحتى يمكن لهذه الأنساق أن تتفاعل في ما بينها لتمكين الإنسان من بناء تصور موحد للعالم، تحتاج كل هذه الوجاهات إلى أن تلتقي في بنية ذهنية معرفية مشتركة هي البنية التصورية.[2] وهي، كما يتضح مما سبق، ليست جزءا من اللغة في حد ذاتها، وإنما هي جزء من الفكر. وهي المستوى الذي يتم فيه فهم الأقوال اللغوية في سياقاتها الذريعية والموسوعية، وتتبلور عمليات التفكير والتخطيط، وتتصل التصورات بالإدراك والعمل.

2 عن سؤال التواصل
من الافتراضات الأساسية، في النظرية الدلالية النفسية، أن البنية التصورية تنتمي إلى مستعمل اللغة الفرد؛ أي أن معاني الكلمات توجد في رؤوس الأفراد. لكن من البديهي، من جهة أخرى، أن اللغة ظاهرة اجتماعية. فكيف تصبح البنيات التصورية الفردية اجتماعية؟ وإذا أمكن أن يفرض كل شخص معناه المعرفي الخاص، كيف يمكن، إذن، أن نتحدث عن وجود معنى متفق عليه لعبارة معينة؟ وكيف يمكن للشخص أن يخطئ بخصوص المعنى؟ وإذا كانت الدلالة المعرفية، بإلحاحها على البنيات التصورية الفردية، صائبة، فكيف نتفادى إذن برج بابل؟
ترتبط هذه الأسئلة بسؤال أعم هو سؤال التواصل الذي على أي نظرية دلالية الإجابة عنه – إلى جانب السؤال الانطولوجي والدلالي وسؤال التعلم- وهو سؤال حول كيفية التواصل بالمعاني والتصورات. فإذا كان بناء التصورات فرديا في جوهره، فكيف يمكننا أن نتواصل أو نعتبر أننا نتحدث عن نفس الأشياء؟
إن النظرية الدلالية "الواقعية" (أو دلالة "شروط الصدق") لا تجد صعوبة في الإجابة عن هذا السؤال؛ إذ ما دامت معاني الكلمات موجودة في العالم الخارجي، يمكننا أن نتحدث عن هذه الأشياء ما دمنا نتحدث نفس اللغة، أي ما دمنا نشترك في الربط القائم بين العبارات اللغوية والعالم. فبخلاف النظريات الدلالية التي تعتبر العبارات اللغوية ذات دلالة بفضل علاقتها بتصورات أو بعناصر مماثلة تنتمي إلى لغة ذهنية، فإن المعنى في نظريات شروط الصدق، ينتج عن ربط العبارات اللغوية بكيانات غير لغوية. فتكون إحالات الجمل قضايا تحمل قيم صدق. وهكذا يكون فهم الجمل قائما على ما يحدد مبدئيا شروط صدقها، أو على "معرفة الصورة التي يجب أن يكون عليها العالم لتكون صادقة".[3] ولذلك يسمى هذا التصور دلالة شروط الصدق.
ورغم أن مثل هذا الجواب يبدو أنيقا، إلا أنه يزيد على الصعوبات التي تواجهها النظريات "الواقعية" مع سؤال التعلم، صعوبات إضافية. فيصبح السؤال: كيف يمكننا أن نعرف أننا تعلمنا الربط السليم بين اللغة والعالم؟
وعلى النقيض من هذا، فإن السؤال التواصلي يعتبر مشكلا حقيقيا في النظرية الدلالية النفسية التي تربط المعنى بأذهاننا الفردية، ومن ثمة يطرح السؤال حول الكيفية التي يمكننا بها أن نتواصل بصدد الموضوعات.
ذلك أننا لتفسير علاقة الجمل "بالعالم" يجب أن نحدد، ضمن أشياء أخرى، ما هو موجود في العالم كما تؤوله أذهاننا حتى تصدق عليه مثل هذه الجمل. فيرجعنا هذا إلى ضرورة نظرية للتمثيل الذهني تصف نظام العالم كما نؤوله، أي إلى نظرية للدلالة التصورية (النفسية). وإذا ثبت أن عالم التجربة ("الواقعي") مدين بهذا القدر لعمليات التنظيم الذهنية، أصبح من الأمور الجوهرية في النظرية النفسية أن تميز بعناية مصدر الدخل الخارجي من عالم التجربة. فيسمى الأول عالما واقعيا ويسمى الثاني عالما مسقطا (projected world).
ولا تكون المعلومات التي تحملها اللغة معلومات بصدد العالم الواقعي. فنحن لا نستطيع الوصول الواعي إلا إلى العالم المسقط، أي إلى العالم كما ينظمه الذهن. ولا يمكن للغة أن تتحدث عن الأشياء إلا في حدود ما يسمح به هذا التنظيم.[4] إن الكيفيات التي تتم بها التعالقات في النسق اللغوي لا تنفصل عن الكيفيات التي نجزئ بها العالم والتي تقوم على وسائلنا الإدراكية والمعرفية التابعة لقيود جشطلتية مختلفة. ومن ثمة فالمعلومات التي تحملها اللغة لا يمكن أن تكون إلا بصدد العالم المسقط، أي العالم كما تحدد تأويله الكيفية التي بنيت بها ذواتنا البشرية، أو القدرة التعبيرية لتمثلاتنا الداخلية.[5]
بهذا يكون التعارض بين تصوري الإحالة في النظريتين "الواقعية" والتصورية كالتالي:
(أ) الإحالة في النظرية "الواقعية":
تحيل العبارة ع، في اللغة ل، المَقُولَة في السياق س، على الكيان ك في العالم (أو في العوالم الممكنة).
(ب) الإحالة في النظرية التصورية:
يحكم المتكلم م في اللغة ل على العبارة ع، المقُولة في السياق س، بأنها تحيل على الكيان ك في العالم كما يتصوره م.
إن الإحالة في النظرية التصورية تابعة في أساسها لمستعمل اللغة الذي لا يمكنه أن يحيل على كيان معين دون أن يكون له تصور معين عنه.
 وهذا يعني أن الكينونة في العالم كما يتصوره المتكلم شرط ضروري لفعل الإحالة. لكن الكينونة في العالم الواقعي ليست شرطا ضروريا، إذ يمكن للمتكلم أن يحيل على كيانات روائية مثل: ليليان (من شخصيات "قصة حب مجوسية" لعبد الرحمان منيف). كما أنها ليست شرطا كافيا، إذ يجب أن يكون للمتكلم تصور معين عن المحال عليه. والخلاصة أن الكينونة في العالم الواقعي ليست شرطا ضروريا ولا كافيا لتمكن المتكلم من الإحالة. ويبقى العامل الرئيس متعلقا بامتلاك تصور معين عن الكيان المعني. 
إن الإحالة، إذن، علاقة قائمة بين التعابير اللغوية وبين تأويلات المتكلمين للعالم الخارجي، حيث يكون التأويل ناتجا عن تفاعل بين الدخل الخارجي والوسائل الصالحة لتمثيله داخليا.[6]وهذا في إطار نظرية تصورية تعتبر، كما رأينا، أن اللغة والتصورات توجدان معا في الذهن/الدماغ وترتبطان داخله، دون أن يكون هناك ترابط مباشر بين التصورات والعالم الخارجي.

1.2 عن مستويات الإحالة في التواصل
إن المنطلق، إذن، هو أن كل ما يتم إدراكه أو التواصل بشأنه يملك تمثيلا معرفيا في الفضاءات التصورية (لدى الأفراد) التي يمكن أن تبنى بكيفية مختلفة، وأن تتغير الموضوعات ( أو الأشياء) داخلها، أو تظهر وتختفي.
ولنفترض أن لكل فرد في العملية التواصلية مجموعته الخاصة من الكيانات في فضائه التصوري الخاص؛ ولنفترض كذلك أن الوضع التواصلي يقوم على إرادة المتكلم استعمال اللغة لجعل السامع يعَيّن موضوعا معينا.
تنجز هذه المهمة التواصلية، في أسفل مستوى من التجريد، عن طريق أسماء الأعلام. فالاسم العلم يعَيّن موضوعا خاصا في الفضاء التصوري. وإذا كان المتخاطبان يسندان نفس الاسم العلم لنفس الموضوع (بغض النظر عن الاختلاف في الكيفية التي يتمثلانه بها معرفيا)، أمكن للسامع أن يعَيّن الموضوع الذي يقصده المتكلم.
وتشتغل هذه الآلية التواصلية، فقط، في الحالات التي يكون فيها المتخاطبان على معرفة بالموضوع المسمى ويسندان نفس الاسم العلم إليه.كما أن هذه الآلية تقوم على سياق قار تكون فيه الكيانات موجودة في حضرة المتخاطبين.
ونتساءل الآن: كيف يتم تعيين الموضوعات التي لا تقبل التسمية (العَلَمية)؟ للإجابة عن هذا السؤال نحتاج إلى افتراض مستوى ثان من التجريد داخل مجموعة الكيانات في الفضاء التصوري. إن من سمات العالم المحيط بنا كما ندركه، أنه ليس اعتباطيا؛ وتنحو خصائص الأشياء فيه نحو الارتباط ببعضها؛ ويبدو أن أذهاننا مبنية بكيفية تجعلها قادرة على إدراك هذه الترابطات.
وتظهر هذه الترابطات في الفضاء التصوري في صورة مقُولات من الكيانات. ومن أبرز هذه المقُولات أنها، بخلاف الموضوعات المفردة، يمكن أن تبقى قارة حتى في حالة تغير بعض خصائص الموضوعات أو ظهور موضوعات جديدة أو اختفاء أخرى قديمة. ولذلك تُعتمَد المقُولاتُ إحالات للكلمات أكثر مما تعتمد الموضوعات المفردة. وحتى في الحالة التي يكون فيها المتخاطبان على معرفة بنفس الموضوعات داخل مقوُلة معينة، فإن تمثيليهما للمقولة يمكن أن يبقيا متشابهين بما فيه الكفاية ليحصل التوافق؛ إذ يكفي أن يتم التعامل مع نفس النمط من الأشياء وأن يكون هناك اشتراك في الممارسات الاجتماعية – الثقافية.
والأداة الأولى للإحالة على المقولة هي الاسم (اسم الجنس). وعوض أن يحيل الاسم على المقولة كلها، يحيل على موضوع يقوم مقام المقولة؛ وهو الذي يعتبر نمطها النموذجي (prototype). وتفسر هذه الآلية لماذا تملك المركبات الاسمية، من حيث الأساس، نفس الوظيفة النحوية التي تملكها الأسماء الأعلام. وباستعماله الاسم، يشير المتكلم إلى أنه بصدد الحديث عن عنصر من عناصر المقولة (هو النمط النموذجي عادة) يكفي لتمكين السامع من تعيين الموضوع المقصود في السياق.
تكتفي الأسماء بتقسيم الفضاء التصوري على أسس عامة. فاستعمال الأسماء لا يقتضي سوى أن يكون المتخاطبون على معرفة بنفس المقولات. لكن حتى هذا الاقتضاء يمكنه أن يحد من القدرات التواصلية في بعض السياقات. ومثال ذلك السياق الذي يواجه فيه المتكلم والسامع طبقة من الموضوعات تندرج تحت نفس الاسم، فيحتاج المتكلم إلى تعيين موضوع منها لكنه لا يملك له اسما. في مثل هذه الحالة يصبح المستوى الثالث من التجريد ضروريا.
ومن الاستراتيجيات الأساسية للتمييز بين الموضوعات داخل مقولة معينة محددة على أساس خصائص مترابطة، أن يتم تعيين سمة لا تشترك في التغير مع الخصائص الأخرى للمقولة. وهذه هي الآلية القاعدية لتوليد أبعاد (dimensions) التواصل، أو مجالاته (domains). ومثال ذلك أن لون موضوع معين عادة ما لا يشترك في التغير مع خصائص أخرى. ويمكن التعبير عن المجالات التي تبرزها هذه الآلية عن طريق الصفات في اللغات الطبيعية. فيمكن تعيين لعبة معينة من بين مجموعة من اللعب، مثلا، بقولنا: "لعبة حمراء" (مجال اللون)، أو: "لعبة كبيرة" (مجال الحجم).
ويجد الافتراض القائل إن الصفات أدوات تواصلية أكثر تجريدا من الأعلام وأسماء الأجناس سندا له في المعطيات المتعلقة باكتساب اللغة لدى الأطفال. فتعتبر أسماء المقولات القاعدية (مثل: كلب وكرسي)، من الكلمات الأولى التي يكتسبها الأطفال؛ أما الكلمات التي تحيل على الأبعاد (مثل: أحمر وطويل)، فيبدو أنها لا تفهم إلا في مرحلة متأخرة نسبيا (أنظر).
إن التفاعلات الاجتماعية يمكن أن تولد الحاجة إلى تمثيلات تمثل فيها البنية البُعدية عن طريق عدد قليل من القيم المتعلقة بكل بعد من الأبعاد. وتظهر الوقائع أن الصفات البُعدية تكون عادة في صورة أزواج متقاطبة، مثل: ثقيل-خفيف، طويل-قصير، الخ. وبهذه الطريقة تولد تأليفات القيم المتعلقة بأبعاد مختلفة شبكة داخل الفضاء التصوري. وعندما نتواصل بخصوص الموضوعات، فإن الشبكة بما يوافقها من تأليفات للصفات، يمكنها أن تولد طبقة من الإحالات القابلة للتواصل بصددها.[7]
هكذا يكون وجود فضاءات تصورية ذات هندسة مشتركة بين المتخاطبين، من الأسس التي تمكنهم من إيصال المعاني إلى بعضهم البعض، ومن السعي إلى التناغم والاشتراك في المقاصد؛ وذلك جوهر سؤال التواصل كما نبين في الفقرة الموالية.

2.2 التواصل والقصد المشترك
 إن مما يفسر إمكان التواصل رغم الطابع الفردي لبناء التصورات، أن الناس يبدون في حاجة إلى جعل بناءاتهم التصورية تتناغم وبناءات الآخرين، حتى يكون لهم فهم مشترك للعالم. فما دمنا لا نقرأ الأذهان، فإن الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن نتناغم هي أن نحكم على سلوكات الآخرين – بما في ذلك أقوالهم- هل لها دلالة أم لا. ومن ثمة الميل إلى التلاقي التصوري، حتى في مجال استعمال اللغة.
إن المتعلم الذي يواجه جماعة يعمل أفرادها على التلاقي، يجد أن مشكل التناغم يكمن في تكييف نفسه مع بناء الجماعة التصوري؛ أو مع "الكيفية التي تسير بها الأمور". أما إذا واجه جماعة لا يعمل أفرادها على التلاقي، فإنه سيواجه صعوبة في إيجاد السلوك المناسب. ومثلما يصح هذا في التعلم الثقافي والتقاني، فإنه يصح كذلك في التعلم اللغوي.
ومن الطبيعي أن تكون هناك أسباب متعددة لعدم تلاقي الناس في بناءاتهم التصورية. ذلك أنهم يختلفون في ما يملكونه من معلومات بالنظر إلى اختلاف تجاربهم. وتنتج الصراعات عن اختلاف الناس في الأهداف والحاجات التي تؤثر في ما يعتبرونه ذا أهمية في وضع معين. ويمكن للبناء التصوري القائم لدى فرد معين على ملاحظات أو تخيلات شخصية، أن يصطدم بالبناء التصوري "الشائع" الذي يرغب الفرد في التناغم معه. والوضع الأسوأ هو الذي تلتقي فيه جماعتان ببناءين تصوريين مختلفين، فيؤدي ذلك إلى تعذر متزايد في إمكانات التناغم.
وهناك عدة طرق للبحث عن التناغم؛ منها الاعتماد على "خبير" كما في نظرية "تقسيم العمل اللغوي" عند بوتنم (1975). وهذا يشمل طبعا الكيفية التي يتعلم بها الأطفال ثقافتهم. ومن الطرق أيضا "القيل والقال"، عندما تكون المعلومات اجتماعية. وللفرد الذي يواجه صعوبة في التناغم بعض الخيارات؛ منها الانحياز إلى الإجماع العام؛ أو محاولة إقناع الآخرين بالتناغم معه؛ أو الاستطراد وتغيير الموضوع.
لقد اشترك عدد من فلاسفة المجتمع واللغة، منهم جيلبرت (1989)، وسورل (1995)، وكلارك (1996)، وبراتمان (1999)،  في بلورة افتراض لفهم العلاقات التعاونية القائمة على الميل إلى التناغم والتلاقي بين البشر، مفاده أننا قادرون على بناء الأعمال والمقاصد المشتركة تصوريا. فالأمر لا يتعلق فقط بقضية مثل:
-   "أنا أقوم عن قصد بكذا وكذا، وأنت تقوم عن قصد بكذا وكذا"؛
وإنما بقضية مثل:
-   "نحن نقوم عن قصد مشترك بكذا وكذا، ودوري في ذلك هو كذا وكذا، ودورك في ذلك هو كذا وكذا".
فالقصد، عادة، بنية معرفية لا تتعلق إلا بعمل شخصي للفرد؛ إذ لا يمكن لفرد معين أن يقصد عمل فرد آخر، إلا إذا كان ذلك بكيفية غير مباشرة: كأن تقصد القيام بشيء معين لتحمل الآخر على القيام بالعمل المقصود. لكن العمل المقصود، في حالة القصد المشترك، يقوم به الشخص والآخرون معا؛ فيلعب العمل المقصود الذي يقوم به الشخص دورا في العمل المشترك. فكل عضو من أعضاء فريق معين، مثلا، يملك قصدا مشتركا لتحقيق أهداف الفريق، فيلعب بذلك القصد الفردي دورا في عمل الفريق المشترك. ومن أبسط الأمثلة على ذلك نقل مكتب من مكان إلى آخر بمساعدة شخص آخر. فحملي المكتب من جهة معينة والتحرك به في الاتجاه المناسب، عمل لا معنى له خارج السياق الذي يقوم فيه الشخص الآخر بحمل المكتب من الجهة الأخرى والسير به في الاتجاه المطلوب. لكن للعملين معا معنى باعتبارهما فعلا قصديا مشتركا لنقل المكتب. ويعمم مفهوم القصد المشترك لينطبق على أي سلوك تعاوني مبني على إرادة حرة لدى المشاركين فيه.
ويعتبر كلارك (1996) أن هذا القصد المشترك يعتبر من المظاهر القاعدية للتواصل اللغوي أيضا. ويستدل على أن الفعل اللغوي، تبعا لذلك، يتطلب ليس فقط قصدا من جهة المتكلم لنقل المعلومات، بل قصدا مشتركا من جهة المتكلم والسامع معا للقيام بعمل مشترك لتوضيح المعلومات.
 كما يولي كلارك (1996) عناية بالغة بما يتم خلال عملية التواصل اللغوي من تعاملات وإشارات دقيقة تهدف لدى المشاركين في العملية إلى الحفاظ أثناء التخاطب على القصد المشترك والتحقق من أن الأمور تجري بما يقتضيه هذا القصد. وواضح أن يعتبر هذا حالة خاصة لظاهرة أعم تتعلق بالسلوك التعاوني، وتسمح بمقارنة عملية الحوار أو التخاطب بعمليات تعاونية كالعزف الجماعي في الجوقة الموسيقية.[8] بل إن مظاهر القصد المشترك واضحة كذلك في النشاط التعاوني داخل مجتمعات الثدييات كالذئاب والشانبانزيا.
إن خلق القصد والحفاظ عليه يعتبران طريقة من طرق تناغم البناءات التصورية. وهي طريقة تتميز بكونها غير أحادية الجانب؛ إذ تقوم على تعاون المشاركين في خلق التناغم والحفاظ عليه. وهو تعاون يمكنه أن يصاب بالفشل عندما تتعارض وجهتا نظر الشريكين. لكن الذي يهمنا هنا أن "التناغم" يبدو آخر المكونات التي نحتاجها لاستكمال بناء موقف تصوري من مسألة الإحالة كما تناولناها في الفقرة 2.
إن عالمنا المُتَصَوَّر لا يشكل فقط واقعنا الخاص بنا، بل إننا نعمل باستمرار على التحقق من أنه يوافق عالم الآخرين. وبقدر ما نحس بالتوافق، نعتبر التصورات المشتركة ناتجة عن "خاصية العالم الموضوعية"؛ في حين، بقدر ما نحس بالتعارض، نرغم على الاعتراف بالذاتية، ويصبح إحساسنا بما هو "موضوعي" أقل استقرارا.[9]

خاتمة
تناولنا في الفقرات السابقة بعض أهم الأسس التصورية التي يقوم عليها التواصل اللغوي خاصة؛ وذلك انطلاقا من سؤال جوهري مفاده: إذا كانت التصورات عموما، ومنها المعاني اللغوية خصوصا، ذات طابع فردي شخصي، فكيف يمكننا أن نتواصل؟ وإذا كان سؤال التواصل هذا يحظى بإجابة بسيطة مباشرة في نظريات الدلالة "الواقعية" أو "دلالة شروط الصدق"، من حيث اعتبارها اللغة محيلة على العالم الخارجي، فإنه يتطلب، في النظريات الدلالية الذهنية النفسية، إجابة لا تخلو من صعوبة وعسر.
فحاولنا الإجابة من خلال تحديد وظائف التصورات في إطارها اللغوي والذهني العام، بما في ذلك اتصالها برصيد المعارف والمعتقدات الذي يكون مخزنا لدى الفرد، وضمن ذلك المعارف المتعلقة بسياقات التواصل ومقاصد المتخاطبين التي تدرس عادة في أبواب الذريعيات. ومن خلال إبراز بعض أساسيات النظرية النفسية للإحالة باعتبارها علاقة قائمة بين التعابير اللغوية وبين تأويلات (أو تمثيلات) المتكلمين الذهنية للعالم الخارجي.
وبناءا على هذا تناولنا بعض أهم مستويات التجريد الإحالية التي تقوم عليها البنيات التصورية، في علاقة ذلك بالمقُولات اللغوية التي ترتبط بصفة نمطية بهذه المستويات. وهي، تباعا، اسم العلم للموضوعات المفردة، واسم الجنس للمقُولات، والصفة للأبعاد أو المجالات. وتمثل هذه المستويات التجريدية، بوظائفها المعرفية، مظهرا من مظاهر التصميم الموحد الذي تشترك فيه البنيات التصورية لدى بني البشر، ويشكل الأرضية اللازمة التي تسمح بإمكان التواصل. وهو إمكان اعتبرنا من عناصره الجوهرية سعي الناس إلى جعل بناءاتهم التصورية تتناغم وبناءات الآخرين، حتى يكون لهم فهم مشترك للعالم. كما اعتبرنا أن من أبرز الافتراضات التي تمكن من فهم هذه العلاقات التعاونية القائمة على الميل إلى التناغم والتلاقي بين البشر، افتراض القصد المشترك. وهو افتراض مفاده أن بني البشر يملكون، بحكم طبيعتهم الأحيائية، قدرة تصورية على بناء الأعمال والمقاصد المشتركة.      


مراجع
غاليم، محمد، 1999، المعنى والتوافق، مبادئ لتأصيل البحث الدلالي العربي، منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، الرباط.
غاليم، محمد، 2007، النظرية اللسانية والدلالة العربية المقارنة، مبادئ وتحاليل جديدة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.
غاليم، محمد، 2008، "أي منهج لدراسة الظواهر الإنسانية والثقافية؟"، مجلة الثقافة الشعبية، السنة الأولى، العدد الثالث، المنامة، البحرين.

Bratman, M. 1999, Faces of Intention, Cambridge University Press.
Clark, H. H., 1996, Using Language, Cambridge University Press.
Dowty, D., Wall, R. and Peters, S. 1981, Introduction to Montague Semantics, Dordrecht, D. Reidel.
Gardenfors, P. 2000, Conceptual Spaces, the Geometry of Thought, MIT Press.
Gilbert, Margaret, 1989, On Social Facts, Princeton University Press.
Jackendoff, R. 1983, Semantics and Cognition, MIT Press.
Jackendoff, R. 1984, "Sense and Reference in a Psychologically Based Semantics", in: Bever, T.,Carrol, J. and Miller, L.A. (eds), Talking Minds: The Study of Language in Cognitive Science, MIT Press.
Jackendoff, R. 1985, "Information is in the Mind of the Beholder", Linguistics and Philosophy. 8.1.
Jackendoff, R. 1987,  Consciousness and the Computational Mind, MIT Press.
Jackendoff, R. 2002, Foundations of Language, Brain, Meaning, Grammar, Evolution,   Oxford University Press.
Jackendoff, R. 2007, Language, Consciousness, Culture, Essays on Mental Structure, MIT   Press.
Putnam, H. 1975, "The Meaning of "Meaning"", in: Gunderson, K. (ed.), Language, Mind and knowledge, Minneapolis: University of Minnesota Press.
Santambrogio, M. and Violi, P. 1988, "Introduction", in: Eco, U., Santambrogio, M. and Violi, P. (eds.), Meaning and Mental Representations, Indiana University Press.
Searle, J. 1995, The Construction of Social Reality, New York: Free Press.
Smith, L. B., and Sera, M. D. 1992, "A developmental analysis of the polar structure of dimensions", Cognitive psychology 24.








[1]  انظر جاكندوف (2007)، ص. 192؛ وانظر التفصيل في أسس نظرية الدلالة التصورية في نفس المرجع، وفي جاكندوف (2002)؛ وغاليم (1999) و(2007).
[2]  انظر جاكندوف (2002)، صص. 271-273؛ وصص. 123-124؛ و(2007)، صص. 192- 193.

[3] انظر سانتمبروجيو وفيولي (1988)، Violi, Santambrogio، ص. 5-6. وداوتي و وول وبترس  (1981)، ص. 12. وانظر التفاصيل في غاليم (1999)، الفصل الثاني؛ وانظر كاردنفورس (2000)، صص. 189-190.
[4] انظر جاكندوف (1984)، صص. 56-58، وصص. 61-62؛ و(1983)، ص. 24-25. وانظر غاليم (1999)، صص. 55-58؛ وكاردنفورس (2000)، ص. 190.
[5] انظر جاكندوف (1985)، ص. 24-25. وانظر غاليم (1999)، ص.58.
[6] انظر جاكندوف (1987)، ص. 127-128؛ و (2002)، ص. 304؛ وانظر غاليم (1999)، ص. 59.
[7]  انظر كاردنفورس (2000)، صص. 192-196؛  وسميث وسيرا (1992)، ص. 132.
[8] انظر جاكندوف (2002)، صص. 330-331؛ و(2007)، صص. 172-173. وانظر في غاليم (2008) التفصيل في عدد من الأنساق الإدراكية والتصورية التي تنبني عليها المعرفة الاجتماعية التي تمكن البشر من القدرة على التفاعل والتعاون المشترك.
[9] انظر جاكندوف (2002)، ص. 332.

نظرية النقل


نظرية النقل:
        تعد نظرية النقل نظرية فرعية حلت محل القواعد التحويلية إذ ترتبط بانطباق قاعدة تحويلية واحدة أسماها شومسكي بانقل ألفا وقد فرضت مجموعة من الشروط المفروضة على النقل إذ ليس بإمكان أي مقولة تركيبية أن تنتقل بحسب الموقع التركيبي الذي تحتله كل مقولة تركيبية مثل: الرؤوس المخصصات الفضلات
-لايمكن أن ينتقل الرأس إلى موقع المخصص
-مايمكن أن ينتقل إلى موقع الرأس  إلا الرؤوس مثل: انتقال الفعل من موقعه إلى موقع رأس الزمن
-ينتقل الفعل المعجمي ص ر ب إلى الرأس الصرفي الزمن إذ يتخد الزمن عمادا صرفيا مثل فعل يفعل وكأننا بصدد الصوائت وتندمج مع الصوامت وتتم هذه العملية عبر انتقال رأس معجمي إلى رأس وظيفي ثم ينتقل إلى رأس التطابق لكي يكتسب الفعل مجموعة من سماته الاحالية مثل:  ( الشخص العدد الجنس)
- ينتقل المخصصه من موقعه إلى موقع مخصص الزمن ليحصل على إعراب الرفع
إذ يسند الزمن سمة الرفع إلى المخصص ويسوغ هذا النقل لأسباب إعرابية مثل:
     تط2
            تط1
   تط°              ز2
  ضرب          الرجل             ز1
           ز°                  ف2
          ضرب           الرجل                ف1
                      ف°                  فضلة
                      ض رب             الولد
ينتقل المخصص من موقع المخصص الموجود في الفعل إلى مخصص الزمن ليحصل عاى سمة إعراب الرفع
- هناك قيود صرفية مفروضة على النقل
ويتأسس نظام المقولات المعجمية على سمات + س، -س، وسمتي [+ف، -ف]، إذ أن سمة +س، -ف تحيل على الفعل، و+س، +ف] تحيل على الفعل، و+س، +ف




نظرية الربط والعمل:
تعنى نظرية الربط بالإحالة المشتركة لتعبيرين اثنين وطبيعة السياق النحوي الذي يحكم هذا الاشتراك في الإحالة."إذ يشترك تعبيران في الإحالة إلى شيء معين، فالعنصر يكون مربوطا إن أحال إلى شيء يحيل إليه عنصر آخر أي أن له سابق له نفس القرينة. ويكون العنصر حرا حين لا يكون له سابق ، أي ليس هناك عنصر آخر له نفس قرينته فيحيل إلى نفس الشيء الذي يحيل إليه العنصر الأول"[1]، وتعتبر "نظرية الربط نموذجا للنحو المسؤول عن إسناد تأويل مناسب للمركبات الاسمية في جمل من قبيل"[2
]:







mercredi 10 avril 2019

عربية الصحافة


كلية الآداب والعلوم الإنسانية                              الأستاذة: رحمــة توفيـق
   مسلك الدراسات العربية 
          الجديدة

                                
عربية الصحافة

       نتناول، في هذا المقال، بعض خصائص لغة الصحافة. ومن هنا نتساءل: هل للصحافة لغة خاصة بها تتميز عن لغة الأدب، أو تختلف عن لغة العلوم بشتى أنواعها من رياضيات وفيزياء، وعلوم طبيعية وإعلاميات؟ وما الفرق بين عربية الصحافة والعربية المعيار؟
العرض منظم بالشكل التالي: في نقطة أولى، نتحدث عن خصائص لغة الصحافة ، إضافة إلى ذلك،نشير إلى عدد من الأخطاء اللغوية التي تستخدم في عدد من  الجرائد وبعض الأذاعات. في نقطة ثانية، سنتحدث عن الأسباب التي تؤدي بالصحافي للبحث عن لغة متميزة خاصة بالصحافة. نقدم في نقطة ثالثة، أهم المصادر التي يعتمدها الصحافي في تحرير مادته الصحفية.

1- بعض خصائص لغة الصحافة

     نتناول، في هذه الفقرة، بعض الخصائص التي تتميز بها اللغة الصحافية التي تختلف عن لغة العلوم لكونها تتجاوز التحدث مع الفئة المتخصصة إلى فئة واسعة ذات مستويات متنوعة.
إذا تأملنا لغة الصحافة المقروءة أو المسموعة نجدها تتميز بمجموعة من الميزات والخصائص، منها أنها تحرص على مراعاة قواعد اللغة العربية، وتعتمد البساطة والوضوح والسلامة النحوية والدقة في تقديم مادتها الإخبارية للجمهور [1] .و تهدف إلى احترام قواعد النحو والصرف، زد على ذلك، أنها تحاول توظيف عدد من الألفاظ من العامية التي تكون من أصل عربي.
ويعرف المهتمون بدراسة لغة الصحافة بتلك اللغة البسيطة السهلة التي تتوجه للقارئ العادي، كما تتوجه للقارئ المثقف دون أن يحتاج أحدهما إلى معاجم، أو يبذلا جهدا ذهنيا شاقا لاستيعاب المادة الخبرية المقروءة والمسموعة.
     وترتكز اللغة الصحافية على قاعدة أساسية في تحرير المادة الصحافية هي: إننا نكتب ليفهمنا الناس .فهي لغة تسعى إلى أن تكون لغة مألوفة سهلة للفهم، بعيدة عن المصطلحات العلمية المتخصصة غير المفهومة. لهذا السبب يبحث الصحافي دائما عن لغة بسيطة ومفهومة من قبل الأجيال المختلفة ومن ذوي المستويات الثقافية المتباينة. وليست مطبوعا يتوجه إلى جمهور خاص بل إنها لغة تحاول الوصول إلى جميع فئات المجتمع بأسرع وقت، وبأرخص ثمن. لهذا السبب تسعى هذه اللغة أن تكون قادرة على إبلاغ وإيصال الرسالة المتوخاة لجميع القراء.
    وتسعى لغة الصحافة اعتماد قواعد اللغة العربية في تحرير مادتها الإخبارية. إذ تستخدم جملا قصيرة، وتحاول الابتعاد من استعمال كثرة الصفات. لنمثل لذلك بما يلي:
1- زيد رجل مجاهد ومناضل وشهم ومكافح
2-كان زيد رجلا ماكرا مخادعا مراوغا
وتحاول  تجنب البناء للمجهول قدر الإمكان، لأن البناء للمعلوم يعبر عن المعنى بطريقة مباشرة، ويكسب التعبير قدرا كبيرا من الحيوية عندما يرتبط بفاعله مثل:
3)أ)قُتل زيد
بدلا من:
3)ب)- قُتل زيد من طرف المجرم
وتحاول  هذه اللغة أن تبتعد قدر الإمكان عن الكلمات المألوفة، والجمل الجاهزة مثل:
4-لا ناقة لي فيها ولا جمل
5-عادت المياه إلى مجاريها
6-أخد حصة الأسد
ولغة الخبر في جوهرها هي محاولة الإجابة عن الأسئلة الستة مثل: ماذا ومن ومتى وأين وكيف، ولماذا. ويتغير موقع كل واحد منها حسب نوعية كل خبر. ويجب أن تكون لغة الخبر، كما سبق الذكر بسيطة، واضحة ودقيقة. لذلك يجب تجنـب الكلمات الغريبة، واستعمال جمل قصيرة ومألوفة تتفادى التكرار والاستطراد.[2]

   وإذا تمعنا في المادة الصحفية المقروءة أو المسموعة نلاحظ أن الصحافة تستعمل عدة أفعال دون أخرى، لها حمولة دلالية معينة تفيد معنى معين ومحدد لا تفيده باقي الأفعال، مثل:
أعلن- أشار-لاحظ أوضح-شدد- أكد- دعا-التمس- أشاد - ندد- تعهد-حذر-عبر
 فالفعل قال مثلا له حمولة دلالية متنوعة ومختلفة عن أفعال، مثل: صرح وأكد وأعلن. لذلك كان الصحافي يتعامل بدقة مع توظيف هذه الأفعال من الناحية الدلالية ، ويضعها في سياقها المناسب، ويبين الفروقات الدلالية بين كل فعل على حدة في صياغة صحفية معينة. إضافة إلى ذلك، نلاحظ  أفعال المواقف والرأي بصيغة التأكيد والحسم، ومن ذلك: أفعال تستخدم لنفس المعنى خطأ:
طالب- دعا- ناشد- التمس.
-     أفعال تتعلق برأي وليس حقيقة راسخة، وتستخدم بصيغة التأكيد:
-     أكد- لاحظ- أشار- شدد- اعترف- أوضح
-     أفعال تتعلق بموقف، ويوظفها الصحافيون أينما شاءوا:
- ندد-شجب-حذر-شدد على –تعهد
-     أعلن-قال- أوضح-أشار
 فالتدقيق في كيفية استعمال معاني الأفعال، سواء كانت أفعال النشاط والرأي أو المواقف تساعد القارئ في وضعها في سياقاتها الطبيعية، وتبين الفروقات الدلالية بين فعل وآخر، إلا أن هناك عدد من الصحافيين يرتكبون عدة أخطاء تركيبية ودلالية سواء في الصحافة المكتوبة أو المسموعة.

2- الصحافة والأخطاء الشائعة

تستخدم في اللغة الصحافية عدد من الأخطاء أصبحت شائعة ومألوفة عند العديد من قراء الصحف ومستمعي الإذاعات لكثرة استخدامها ،وهي لا تشمل المفردات فقط بل  تضم حتى عدد من التراكيب والعبارات اللغوية، ومثال ذلك:
Haut du formulaire
- لم أزره أبداً؛ فكلمة (أبداً) هي عبارة عن ظرف زمان يدل على الاستقبال والاستمرار، ولا يأتي في سياق الماضي، إذ يمكن أن نقول لن أزوره أبداً، مستدلين بقول الله تعالى: ( فقلْ لن تخرجوا معي أبداً) [3]، أو يقال: ما زرته قطُ، لأن «قطُ» ظرف للماضي على سبيل الاستغراق، أي يستغرق ما مضى من الزمن، ويؤتى به بعد النفي للدلالة على نفي جميع أجزاء الماضي.
-  نفذ الشيء بمعنى انتهى، «ونفذ السهم أي: مرّ، ومثله: نفذ الماء من الصنبور. والأفضل أن يقال نفد؛ وتدل على الشيء إذا انتهى وفني. وقال سبحانه  وتعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق)[4] .

-نواياه حسنة، ومنه سفير النوايا الحسنة، والصواب: النيات؛ لأنها جمع نية، وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات» ولم يقل بالنوايا.[5]
-  كافة الصحف، والصحيح: الصحف كافة؛ لأن «كافة» تعني: جميع، أو كل، ولا تقبل (كافة) الإضافة إلى ما بعدها، أي: لا تقبل الوقوع ضمن الجُملة، وهي هنا منصوبة على الحالية دائماً.
ومن الأخطاء الشائعة،كذلك الواردة على ألسنة العديد من مذيعي الإذاعة والتلفزيون والفضائيات ومقدمي البرامج كلمة (الدولي)، حيث تنطق بضم الدال والصحيح بفتحها، لأن النسبة تكون للمفرد وليس للجمع. والأخطاء الشائعة كثيرة حتى صنف فيها الباحثون كتباً يضيق عن ذكرها المجال. زد على ذلك، يستعملون  جمع مدير على مدراء، والصحيح مديرون، إذ يقيسون مدير على سفير ووزير وأمير التي تجمع على سفراء ووزراء وأمراء، وهو قياس خاطئ؛ لأن وزير وسفير وأمير مشتقة من الثلاثي: وزر، وسفر، وأمر، والياء فيها لبناء صيغة فعيل . بينما مدير مشتق من فعل رباعي : أدار. واسم الفاعل من الرباعي يأتي على وزن مضارعه مع إبدال يائه ميمًا مضمومة وكسر ما قبل الآخر . فيقال : أقبل يقبل مُقبِل، على وزن مُفعِل، ومثلها أدار يدير مُديرا.
ومن الأخطاء الشائعة، كذلك،  في الصحافة العربية استعمال حرف الترجي ( لعل ) مع الفعل الماضي، وهو يفيد ترجي ما يمكن حدوثه مستقبلا؛ إذ يقولون: لعله ندم على ذلك، والصواب لعله يندم، ولم تأتِ لعل في القرآن متلوة بالفعل الماضي أبدا، ومن هذا قوله تعالى: ( لعل الله يحدثُ بعد ذلك أمرا )[6].
 ومن بين الأخطاء الشائعة  ورود كلمة بئر مذكر، إذ يقال: هذا بئر عميق، والصواب هو: هذه بئر عميقة  وإذ تجمع بئر على آبار، وتُصَغَّر على بؤيرة .

ومن الأفعال الشائعة في العربية فعل اعتبر حيث يقال: اعتبرت فلانا صديقا، والأصح عددت فلانا صديقا، فاللغة العربية لا تستخدم اعتبر بهذا المعنى لأنه يعني اتخذه عبرة. قال تعالى: فاعتبروا يا أولى الأبصار[7].
ومن الأخطاء الشائعة في الصحافة المكتوبة : عدم كتابة الألف بعد واو الجماعة المسندة للفعل الماضي كتبوا، والأمر اكتبوا، والمضارع المنصوب والمجزوم بحذف النون: لن تكتبوا ولم يكتبوا، وهذه الألف تسمى الألف الفارقة؛ لأنها تفرق بين واو الجماعة المسندة للأفعال، وواو الفعل الأصلية كما في: يدعو ويرجو ويسمو، فلا يجوز رسم الألف بعد هذه الواو، كما لا يجوز رسمها بعد واو الجماعة في جمع المذكر السالم مثل : مهندسون ومسلمون ، إذ عند إضافة هذا الاسم تحذف نون الجمع : مهندسو المشروع، ومسلمو العالمِ ، ومن الأخطاء التي تقع هنا إضافة ألف بعد الواو :" مهندسوا المشروع ".[8]
إضافة إلى ذلك، ترتكب في الصياغة الصحافية المسموعة عدة أخطاء نحوية مثل صرف ما يمنع من الصرف ، نحو: حدائقـ،  منازل، وكذا منع ما يصرف، مثل:
أمطار أشجار أخبار
 فصيغة أفعال غير ممنوعة من الصرفـ حسب التصور اللغوي الحديث إذتم قياسها بكلمة أشياء التي جاءت واردة في القران الكريم ممنوعة من الصرف.
عندما نتكلم عن لغة الصحافة يجب أن ننطلق منذ البداية من اقتناع مفاده أن لوسائل الإعلام بأنواعها المختلفة القدرة على التأثير في نطاق علاقاتنا الاتصالية، وعلى الطريقة التي يتحدث بها أغلب الناس. من هذا المنطلق،  يمكن أن نتحدث عن تنمية رصيد الصحافيين اللغوي، وتحسين تعاملهم مع اللغة العربية. إذ نجد، في دول غربية أخرى، وكالات أنباء تهتم بسلامة لغتها، لكونها تتوفر على مراقبين لغويين يهتمون  بتصحيح اللغة التي يكتب بها خبر الوكالة.
كثيرا ما يخطئ الكتاب في نصوصهم التي يكتبونها ويستخدمون كلمات في غير مكانها الصحيح، بعضهم لجهل في أصول اللغة ومعاني الكلمات، وآخرون يستسهلون المعاني الدارجة في العامية ليحلوها محل الفصحى الصحيحة.



2- مصادر الصحافة الأساسية


نحاول في هذه الفقرة أن نقدم أهم المصادر الأساسية التي تعتمدها لغة الصحافة في تحرير مادتها الإخبارية، وهي:
·      اللغة العربية؛
·      اللغة العامية؛
·      الترجمات.
في هذا الصدد، تطرح عدة تساؤلات من بينها: أ تساهم العامية والترجمات التي تعتمدها الصحافة في تقديم خبر دولي بلغة عربية في تطوير لغة الصحافة؟ أم أنها تخلق نوعا من الخلل في حالة إساءة استعمال الصحافي للترجمة الصحيحة؟ أو كيف تساهم هذه المصادر الثلاث المعتمدة في الصحافة في تطوير اللغة الصحافية؟
 إذا نظرنا إلى بعض الصحف نجدها تستعمل في تحرير مادتها الصحافية اللغة العربية واللغة العامية: وإذا تأملنا على سبيل المثال لا الحصر جريدة المساء المغربية نجد عبارات من الدارجة مثل أخبار السوق، التقشاب، شوف تشوف.
لنقدم مثالا آخر توضيحيا مأخوذ من نفس الجريدة:
"الواحد يكون كايدافع على حرية التعبير بالفم حتى يصدق كايدافع على حرية على حرية التعبير من بلاصة أخرى[9]."
بناء على ذلك، نتساءل ألا يمكن أن تعبر الفصحى عن ما يرغب صاحب المقال الوصول إليه؟
قد نلاحظ أن اللغة العامية قد تؤدي وظيفتها من الناحية الاتصالية بالفهم في حدود المنطقة التي تلهج بها. إلا أنه يتقلص دورها كلما ابتعدنا عن موطن اللهجة، وحتى محاولات الفهم تظل صعبة في أغلب الأحيان، لأن عددا من المصطلحات المستعملة في دارجة الشمال تختلف عن دارجة الجنوب، كما تختلف عن دارجة الشرق، أو دارجة الوسط.
ونلاحظ أن هناك داخل العامية الواحدة عاميات أو لهجات إن صح التعبير. فهناك لهجة مراكش، ولهجة الشمال، ولهجة الجنوب: وتكاد تكون الفروقات بين اللهجات  محصورة في المستوى النطقي، وكذا  المستوى الدلالي. إذ نلاحظ أن كلمة سارق يطلق عليها في مراكش  مخار وفي مناطق أخرى شفار.
أما إذا تعلق الأمر بالعربية الفصحى توجد قواميس عدة تساعد على فهم المفردات المستعصية، سواء كانت مفردات علمية أو أدبية. وإذا رغبت الصحافة في استعمال العامية في لغتها يجب التنبيه لصقلها وتهذيبها وترقيتها، وهذا لا يمكن أن يقوم به إلا مختصون في الميدان اللساني في مجال الفصحى والعامية. واعتمادا على ذلك، تساهم وسائل الإعلام بتزويد القراء برصيد لغوي جديد يساهم في ترقية اللهجة وتصحيح نطقها، ورغم المحاولات التي يقوم بها عدد من الصحفيين في توظيف اللهجة في اللغة الصحافية، نلاحظ أن للفصحى مكانا هاما في وسائل الإعلام المسموعة أو المرئية لا تستطيع العامية أن تحتله. وهناك من ينادي بأن تكون العامية لغة التخاطب اليومي، إلا أن مثل ذلك يعد ضربا من الجهل، ومحاولة لإضعاف اللغة العربية.
إن اللغة العربية في الوقت الراهن قد انتشرت انتشارا واسعا مس جميع الميادين والحقول، لكن هذا الاتساع جرى في كثير من الأحيان على حساب مقومات شخصيتها، فبدت للملاحظ أنها لغة عربية في حروفها، وفي بعض ألفاظها، بينما معظم استعمالاتها وتركيبها اتسمت بالاعوجاج والانحراف عن طبيعتها اللفظية ودلالتها المعنوية، الأمر الذي أخرجها من اللغة الواحدة إلى اللهجات المتعددة التي تشمل على خليط من الكلمات الأجنبية  الدخيلة ومن الألفاظ العربية المنحرفة عن الصيغ الأصلية[10].
 إن الدعوة للعامية لها ارتباط وثيق بين اللغة العربية والدين الإسلامي، لأنه لا يفهم الدين إلا بالعربية الفصحى. لذلك، حاولوا إضعافها وتدميرها. وحاولوا أن تكون اللهجات المحلية لغة التخاطب والكتابة والمعاملات.[11]
إذا كانت العامية تستمد ألفاظها من ينابيع لا حصر لها، وإذا كانت وسائل الإعلام السمعية البصرية تشكل المصدر الأساس لتداول الألفاظ والمفردات، فمن الأنفع استغلال هذه الوسائل- كل واحدة حسب طبيعتها- من أجل تزويد الناس برصيد لغوي جديد يساهم في تقوية وترقية اللهجات، ويصحح نطقهم للألفاظ العامية ذات الأصول العربية. [12]
 إن لغة الإعلام تنمي الرصيد اللغوي للقارئ والمستمع، فاللغة الإعلامية تصبح جزءا من حياة المجتمع. لذلك، إذا صلحت صلح لسان القارئ و إذا فسدت  انعكس ذلك سلبا على المجتمع. فالأسلوب الذي تستعمله لغة الإعلام يؤثر في المجتمع بدرجات متفاوتة، وتعادل وسائل الإعلام المدرسة لأعداد كثيرة حرمت من التعليم ولو بشكل قليل.
 ننتقل إلى مسألة أخرى، وهي: كيف تُستعمل الترجمة في اللغة الصحافية. من هنا نتساءل: هل تعتمد الصحافة في تحرير خبرها على مترجمين متخصصين؟
 إن المتمعن في عدد من الجرائد العربية، يجد كلمات وأساليب مستعارة من التعبير الإنجليزي. ونقدم، في هذا الصدد، أمثلة لذلك:
 لم ولن يفهمني
يمكن أن تعد ترجمة حرفية للعبارة التالية:

He did not and will not understand me

ونجد كلمات مثل مسجات، وهذا يجعلنا نتساءل ألا يوجد في اللغة العربية ما يقابل مثل هذه الكلمة، فعوض أن نتحدث عن مسجات نقول رسائل قصيرة.
وفي إطار الترجمة، كذلك، نجد وكالات الأنباء تعتمد في أخبارها على أنباء دولية من وكالات أجنبية أخرى لكن يحصل خلل في معنى الخبر حين ترجمته من لغته الأصل إلى العربية، إذ يفقد الخبر دلالته الأصلية في حالة عدم ترجمته ترجمة صحيحة وملائمة. فما يعتم النص العربي الترجمات الرديئة أو الخاطئة، ويعطي له معنى مخالفا، ويقدم معلومات غير دقيقة، مما يقدم صورة سلبية للغة الخبر باللغة العربية، ويؤدي بالقراء إلى العزوف  عن قراءة الخبر بلغة أجنبية. لذلك، يجب أن يعتمد الصحافي ترجمة سليمة بعيدة عن ما تطرحه الترجمة من سلبيات للغة الصحافة.
 إلا أن كل ما ذكرناه لا ينقص من لغة الصحافة التي تعد أقرب للغة التخاطب اليومي، ولغة المجتمع. فمن الصعب أن نطلب من الصحافي الذي يواجه كمية هائلة من الألفاظ والمصطلحات والأساليب الجديدة أن يتحكم في استعمالها بدقة إذا لم يتهيأ تهيئا لغويا في مرحلة تكوينه الصحافي سواء في مجال اللغة أو مجال الترجمة، ووضع معاجم متخصصة أو متعددة الاختصاصات لكي يجد الصحافي ضالته، حينما يجد صعوبة فيما يبحث عنه أو يكتبه، ومن دون توفير هذه الأدوات لا نستطيع أن نلوم الصحافي على أخطائه، لأن اللغة علم له قواعده، ووسائل الإعلام هي بمثابة معاهد. لذلك، تحاول لغة الصحافة تفادي الأخطاء إلا أن هذا لا يتم إلا بخلق مناصب للمراقبين اللغويين يهتمون بلغة الصحافة تلك اللغة البسيطة  الموجهة إلى جميع الشرائح المجتمعية. إذ تحمل دلالات عميقة ومصطلحات تثير القارئ لقراءة الخبر مهما كان نوعه.
 فمن مميزات لغة الصحافة الأساسية هي حسن الصياغة، لنمثل لذلك بما يلي:


صياغة عادية:
" اتخذت ولاية الرباط قرارا بإصدار تشريعات جديدة خاصة بعمال سيارات الأجرة الصغيرة وحركة المرور داخل الولاية، تبعا لذلك تم إلغاء كافة المخالفات ضد سائقي سيارات الأجرة والتي تبلغ 30 مخالفة."

صياغة صحافية:

منح ثلاثون من سائقي سيارات الأجرة في الرباط فرصة نادرة لتمزيق مخالفات المرور، والتي قيدت ضدهم. فقد وافقت سلطات ولاية الرباط على عدم متابعة هؤلاء السائقين، وذلك بعد إصدارها تشريعات جديدة تنظم عمل سيارات الأجرة وحركة المرور داخل الولاية"[13].
ويعتقد الجميع أن استعمال عبارات جذابة تؤدي بالقارئ لتلذذه بتعابير الخبر المنمقة مهما كان مضمونه  سواء كان سارا أو غير سار.
وتعتمد لغة الصحافة في صياغة بعض أخبارها على الهرم المقلوب الذي يرتكز على قاعدة ثلاثية مفادها:
1-             أهم ما في المقال الفقرة الأولى؛
2-             أهم ما في الفقرة الأولى الجملة الأولى؛
3-             أهم ما في الفقرة الأولى بدايتها.

 قال الشاعر: "والأذن تعشق قبل العين أحيانا" فالصحافي يحاول أن يقدم مادته وفق أسلوب أكثر سحرا ووضوحا. وعليه أن يرسم بالكلمات صورا حية للقارئ أو المستمع. واختيار الصحافي للكلمات المنمقة يكون عملا مقصودا، ومعتمدا على دراسة دقيقة للغة المستعملة على المستوى الدلالي للكلمات، وما تثيره هذه الكلمات من تأثير على أذن السامع أو القارئ. وتتكون المادة الإعلامية في الإذاعة من عدة عناصر منها الكلمات المنطوقة، المؤثرات الصوتية، الموسيقى، اللغة المنطوقة تتميز بالسرعة، الواقعية وتستعمل عدد ا قليلا من الكلمات للتعبير عن عدد كبير من الأشياء بطريقة واضحة وبسيطة ومؤثرة[14].
 وهناك عدة فروقات بين الكتابة المقروءة والكتابة المسموعة. وتتجلى هذه الفروقات في القدرة على جلب الجمهور وتحديات الوقت، ويكون صحافي الإذاعة مجبرا على اختصار الأخبار، بحيث لا يمكنه التطرق إلى كل الأحداث التي تتطرق لها لغة الصحافة المكتوبة.
ونشير،كذلك، إلى أن لغة الصحافة أنواع نذكر منها:
لغة التقرير[15]: التقرير الصحافي هو نوع صحفي قائم بذاته، ويكتب بطريقة مختلفة للخبر الصحفي وبأسلوب بسيط وواضح، ويرتكز على جمع أكبر كمية من الحقائق والمعلومات، في أقل قدر ممكن من الكلمات؛
 لغة الافتتاحية[16]: تعتمد على المنطق و وقوة الإقناع والبساطة والقوة في التعبير.
لغة التعليق[17]: لغة محكمة لا تحتمل سوء التوظيف وتأبى سوء فهم الأحداث.






خاتمة:

  بينا أن أن لغة الصحافة تعتمد في تحرير مادتها على معايير عالمية وذلك من أجل جلب القارئ لقراءة خبر ما بالاعتماد على التحكم الجيد في فنون التبليغ والبيان والإقناع، إذ تتراوح هذه اللغة بين لغة بسيطة تستعمل في الخبر والتقرير، ولغة معقدة تستعمل في التحقيق والحديث الصحفي.
ويمكنها أن تخدم اللغة العربية بطرق شتى، منها:
 صقل لغة الناس وتحسينها، والتأسيس للغة مشتركة بين العامية والعربية الفصحى.
 ونقترح أن  تكون المراقبة اللغوية ضرورة وملحة لأية لغة في مجال الإعلام، لأن اللغة العربية دائما متجددة وقادرة على التأثير والتأثر. وهدف الصحافي البحث عن مصدر الخبر، المصدر الصادق، ويهتم، كذلك، بتأريخ لحظة الخبر أكثر من اهتمامه بالطريقة التي يحرر بها النص.
 وأسلفنا أن للصحافة دور هام ، وذلك، بالتأثير الفعال في أوساط المجتمع، لذلك تقع على عاتقها مسئولية تنامي الأخطاء الشائعة وترسيخها. بذلك، يتعين على الصحافيين العمل على تبسيط اللغة والمحافظة على الأسلوب السهل الذي يتوخى وصول المعارف إلى جميع الفئات  حسب المستوى اللغوي والعلمي لتلك الفئة، مع السعي لإيجاد الحلول المناسبة لأسلوب الخطاب يمكن الصحافة بوصفها أداة فاعلة في المجتمع من إيصال وتدعيم دورها المطلوب في مجتمعاتنا بكل سهولة وبساطة.








مدى تأثر اللغة بالصحافة :

بالحقيقة إن الصحافة طوعت اللغة ، وجعلتها مرنة ، تفي بمتطلبات العصر ، كما تستوعب التطورات العظيمة المصاحبة للنهضة فنلاحظ شيوع الألفاظ الجديدة ، ومصطلحات حديثة ، وتوسيع آفاق اللغة، وتطورات أساليب اللغة في العلوم ، الفنون ، الاجتماع ، السياسة .
لكن بقدر ما أثرت الصحافة في اللغة إيجابا ، كان لها تأثير سلبي ، فبسبب ضعف الكوادر واتساع هذه الوسيلة وغياب العنصر المثقف المهني فيها ، أدى إلى ضعف لغوي أدائي وإعلامي انعكس على الصحف نفسها ، وسبب ضعفاً في أبوابها ، فهي تعتبر منبرا إعلاميا جماهيريا وثقافيا وسياسيا وديمقراطيا ، لكن كل من يكتب بها نسي ذلك فراح يكتب بأسلوب أدبي ، ذاتي ، بعيدة عن اللغة الإعلامية الجماهيرية الفصيحة المبسطة ، فقدت الصحيفة هذا المنبر .
فالإغراق في استخدام العامية، وتهجين الفصحى مما جعلها ضعيفة في بلورة فصحى مشتركة . فيظن معد و البرامج أنه حينما يسهل اللغة الفصحى تصبح لهجة عامية دارجة كي يفهم الجمهور ، لكنه يحاول عبثا فتظل على الجمهور صعبة .


الفصحى المشتركة لغة الحضارة الإعلامية
الإعلام فن حضاري ، ولغته لغة جديدة ، وهي تعد نظاماً إعلامياً، فمشكلة اللغة ، بحد ذاتها في فاعلية وسائل الإعلام الجماهيرية ، فمثلا : البلدان التي تتعامل بأكثر من لغة واحدة ، تواجه الجهات المسؤولة صعوبة في تعميم الإعلام الجماهيري ، أما البلدان التي تتعامل بلغة قومية، فالمشكلة تكاد تنحصر إلى حد ما ، وقد بشّر " ويلز" قبل عدة عقود بلغة جديدة ، وبلاغة جديدة ، وعـبّر أن حاجة العصر تستلزم لغة إعلامية جديدة .
ذهب بعض الباحثين إلى أن الناس تبني حضارتها وفق عالم اللغة ، فهؤلاء يخضعون إلى عالم اللغة التي هي وسيلة تعبير لهم ، والواقع يرتكز لا شعوريا على العادات الغوية للجماعة ولا تحيط بالنطاق المادي، والحياة الاقتصادية فقط .
إن وسائل الإعلام الجماهيري بما فيها اللغة ، أصبح لها تأثير عظيم على عقول الناس ، وعلى سلوكهم ، وتغيير مداركهم ، ومواقفهم الخاصة ، وتشكيل آرائهم ، فهي تجعلهم ينزعون إلى التجديد وإلى تحمل المسؤولية ، والإسهام في عمليات التنمية القومية ، على جميع الصعد .










لائحة المراجع:


بليبل، نور الدين الارتقاء بالعربية في وسائل الإعلام، كتاب الأمة، العدد84، رجب 1422
فارح محمد، مقابلة مع أسبوعية الأحداث، العدد61،  23 – 29/ أبريل2000م
الخطيب التميمي، عز الدين ،التآمر على اللغة العربية، مجلة الأمة، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، قطر، السنة الأولى،1401  هــ،
شرف، عبد العزيز ،المدخل إلى وسائل الإعلام، القاهرة: دار الكتاب المصري، 1989
  فاروق أبو زيد، فن الكتابة الصحفية، الجزائر ديوان المطبوعات الجامعية 1985 م
كرم جان جبران ، المدخل إلى لغة الإعلام، ط1 بيروت دار الجيل،
جبريل طلحة ، عربية الصحافة -1997- منشورات معهد الدراسات والتعريب الرباط



[1] عبد العزيز شرف، المدخل إلى وسائل الإعلام القاهرة: دار الكتاب المصري، 1989 ص 334
[2]  فاروق أبو زيد(1985): فن الكتابة الصحفية الجزائر
[3] سورة التوبة، الآية، 83.
[4] سورة النحل، الآية 96.
[5]  من الأخطاء الشائعة، حسناء عبدالعزيز القـنيعـير،
[6]    سورة الطلاق، الآية 1.
[7]   سورة الحشر، الآية رقم 2.
[8]   من الأخطاء الشائعة، حسناء عبدالعزيز القـنيعـير،
[9] عدد 374/1-2/   2007،    
[10] محمد فارح، مقابلة مع أسبوعية الأحداث، العدد61،  23 – 29/ أبريل2000م.
[11] عز الدين الخطيب التميمي، التآمر على اللغة العربية، مجلة الأمة، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، قطر، السنة الأولى،1401  هــ، ص 90.
[12] الارتقاء بالعربية في وسائل الإعلام، كتاب الأمة العدد: 84،  رجب 1422 .ص، 113.
[13] طلحة جبريل، عربية الصحافة -1997
[14] جان جبران كرم، المدخل إلى لغة الإعلام، ط1 ، بيروت دار الجيل، ، 1986 ص.118
[15]  بحث عن موضوع معين، فهو محاولة لترجمة الملاحظة للواقع المادي في عبارات مكتوبة.
[16]  المقال الذي يحمل رأي الصحيفة أو المجلة وموقفها من القضايا والمشكلات والاتجاهات الهامة، داخلية أو خارجية.
[17] تقديم وجهة نظر الصحافي لموضوع من موضوعات الساعة، لكشف كوامنها.